ابن حزم

175

الاحكام

جاء النص الصحيح من القرآن والسنة بإيجاب ذلك فرضا ، فأما القرآن فقوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكر والله عند المشعر الحرام وأما السنة فقوله عليه السلام لعروة بن مضرس : من أدرك الصلاة ههنا - يعني بمزدلفة - مع الناس والامام فقد أدرك ، وإلا فلم يدرك أو كما قال عليه السلام ، وتحكم أصحاب التقليد وأهل القياس أكثر من أن يحصيه إلا خالقهم الذي أحصى عدد القطر وورق الشجر ومكايل البحار ، لا إله إلا هو . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يوافقه عمل أهل المدينة . قال علي : وهذا هو باطل ، وقد أفردنا له فصلا بعد كلامنا هذا في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق ، ومثلوا ذلك بأخبار رويت في الأذان والإقامة . قال علي : ولا يصح في ذلك خبر مسند إلا حديث أنس بن مالك رضوان الله عليه : أمر بلال أن يشفع الاذان ويوتر الإقامة وبه نأخذ . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما قد علق الحكم فيه بالاسم ، ويكون الآخر قد علق الحكم فيه بالمعنى ، فيكون الذي علق الحكم فيه بالمعنى أولى . قال علي : وهذا لا معنى له ، لأنها دعوى بلا برهان ، وإذ لو عارضهم معارض فقال : بل الذي علق فيه الحكم بالاسم أولى ، لما انفصلوا منه ، ومثلوا ذلك بقوله عليه السلام : من بدل دينه فاقتلوه مع نهيه عليه السلام عن قتل النساء . قال علي : وإنما أخذنا بقتل النساء المرتدات ، لان النهي عن قتل النساء عموم ، والامر بقتل من غير دينه مخصوص من ذلك العموم ، على ما قدمنا قبل من استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني ، وأيضا فقد اتفقت الأمة على أن نهيه عليه السلام عن قتل النساء ليس على ظاهره ، واتفقوا أنها إن زنت وهي محصنة أنها تقتل ، وإن قتلت مسلما أنها تقتل ، وأيضا فإن نهيه عليه السلام عن قتل النساء ، إنما هو داخل في جملة قوله : دماؤكم عليكم حرام فهو بعض تلك الجملة واستثنى كل من ورد أمر بإيجاب قتله أو إباحته من باغ أو شارب خمر بعد أن حد فيها ثلاثا ، أو زان محصن ، أو قاتل عمدا أو مرتد ، وصح أن النهي عن قتل النساء إنما هو من الأسارى من أهل دار الحرب . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما منصوصا بنسبته إلى